الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

68

مختصر الامثل

منهج للاختبار وبناء الذات ، وليس هذا مكان الأطعمة المتنوعة ، إذهبوا إلى المدن حيث التنوع في المأكولات ، ولكن لا يوجد فيها المنهج المذكور . التنوع وطبيعة الإنسان : التنوع هو - دون شك - من متطلبات البشر ، فلم إذن توجه اللوم والتقريع إلى بني إسرائيل حين طلبوا الخضروات والخيار والفوم والعدس والبصل ليتخلصوا من الطعام الواحد ؟ ! الجواب يتضح لو علمنا أنّ الحياة الإنسانية تقوم على أساس حقائق هامة لا يمكن التخلّي عنها ، هي الإيمان والطهر والتقوى والتحرّر ، وقد تمر الجماعة البشرية بمرحلة يتعارض فيها هذا الأساس الهام مع متطلبات الإنسان من الطعام والشراب واللذائذ الأخرى ، وهنا تصبح الجماعة أمام خيارين ، إمّا أن تنغمس في اللذات وتترك قيمها وشرفها ، أو تضحي بلذاتها من أجل إنسانيتها وكرامتها . بنو إسرائيل كانوا يعيشون أمام هذين الخيارين . ولابد من الإشارة إلى أنّ حقيقة حب التنويع استغلها الطامعون والمستعمرون دوماً ، ليدفعوا الشعوب إلى هاوية حياة استهلاكية شهوانية هابطة ، يعيش الأفراد فيها بين المعلف والمضجع ، ناسين شخصيتهم الإنسانية ، وغافلين عن النير الذي يطوق أعناقهم . إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ( 62 ) القانون العام للنجاة : بعد عرض لمقاطع من تاريخ بني إسرائيل ، تطرح هذه الآية الكريمة مبدأ عاماً في التقييم وفق المعايير الإلهية ، وهذا المبدأ ينص على أنّ الإيمان والعمل الصالح هما أساس تقييم الأفراد ، وليس للتظاهر والتصنّع قيمة في ميزان اللَّه : « إِنَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْأَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ » « 1 » .

--> ( 1 ) « الصابئين » : كانوا في الأصل أتباع أحد الأنبياء وإن اختلف المحققون في تعيين نبيّهم ، وعدد هؤلاء قليل وهم في حالة انقراض .